عبد الله الأنصاري الهروي
141
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> فإنّ للوجود - كما قلنا - حكمين : أحدهما من جهة كونه مفيضا ، والآخر من جهة كونه مفاضا ؛ فالغالب على الروح أثر الحكم الأوّل ، وعلى النفس أثر الحكم الثاني ، وفي النفس وحدة شعاع الوجود العيني من كونه مفاضا ، مرآة لكثرة أحكام الحقائق الكونيّة المتعلّقة بمراتبها ، فكان المنطبع في مرآة الشعاع الوحدانيّ الوجوديّ المفاض تلك الكثرة ، فكانت تلك الكثرة المنطبعة في المرآة ظاهرة ووجه المرآة مخفيّا - كما ترى في الخارج أنّه إذا انطبع في المرآة صورة كان المنطبع ظاهرا ووجه المرآة مخفيّا . وأمّا في الروح : فكثرة شؤون الوجود العلمي الباطني النسبيّة التي صورتها الحقائق الكونيّة مرآة لوحدة الوجود العيني الظاهري ، فالوحدة فيها ظاهرة وكثرة الشؤون باطنة . ففي السير الأوّل يرفع حجاب الكثرة أحكامها النفسانيّة عن مرآة وحدة الوجود ، إلى أن يظهر ويتجلّى وحدة الوجود الظاهر من عين كثرة النفس وصور العالم ، ويظهر الكمال الحاصل للوجود الواحد بتلك الكثرة نزولا . وفي السير الثاني يخرق حجاب وحدة الوجود العيني الغالب أثره على الروح عن مرآة كثرة الشؤون النسبيّة المضافة إلى الوجود العلمي الباطني ، ليظهر التجلّي الباطني بخصائص تلك الكثرة النسبيّة ، وهي العلوم الغيبيّة والأسرار الإلهيّة ، وبعد فتق الروح يحصل بين أحكامهما المتعلّقة بحقيقتها الكونيّة وبين أحكام سرّها - أعنى الوجود العيني المضاف إليها وبين أوصافها امتزاج وفعل وانفعال - كما جرى بينها وبين النفس أوّلا - لكن ها هنا ينسب الفعل إلى السرّ والانفعال إلى الروح ، فيتولّد من مشيمة الروح عند ذلك ولد قلب قابل للتجلّي الوجودي الباطني المشتمل على الشؤون وكثرتها النسبيّة ، مع مظاهرها التي هي الصور العلمية ، ليتحقّق بالسير في عرض هذه الحضرة الباطنيّة بكلّيّات الأسماء السلبيّة ، فيدخل في مبدء ظهور التجلّي الباطني في قسم الحقائق ؛ فيظهر عليه وبه وفيه أحكام هذا القسم . واعلم أنّ الشاهد في هذا القسم سرّ وجوديّ ظاهريّ ، والمشهود سرّ وجوديّ باطنىّ ، بل يكون السرّ الظاهريّ مرآة للسرّ الباطني وأحكامه وآثاره ، فيكون السرّ الباطنيّ بأحكامه وآثاره ظاهرا على السرّ الظاهري ، لكن لا يخفى عينه وآثاره عليه ، بل يكون